الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

168

تفسير روح البيان

لكونهم يرون في صورة الرجال كما عبر به عن الجن في قوله تعالى وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ لكونهم في صورة الرجال يقولون حين أشرفوا على أهل النار ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين لأنهم مكلفون كبنى آدم فلا ينكر ان يدعوا اللّه لأنفسهم بالأمن والتاسع هم الشهداء الذين خرجوا إلى الغزو وغزوا في سبيل اللّه بغير اذن آبائهم فقتلوا شهداء فاعتقوا من النار بان قتلوا في سبيل اللّه واحتبسوا عن الجنة بعصيانهم آباءهم والعاشر قوم رضى عنهم آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم والحادي عشر انهم أولاد الزنى والثاني عشر أولاد المشركين والثالث عشر هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم وزمان الفترة هو الزمان الذي بين عيسى ومحمد صلوات اللّه وسلامه عليهما والرابع عشر هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا فوقفوا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم والخامس عشر هم الذين ذكرهم اللّه في القرآن أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة - روى - عن بعض الصالحين أنه قال أخذتني ذات ليلة سنة فنمت فرأيت في منامي كأن القيامة قد قامت وكأن الناس يحاسبون فقوم يمضى بهم إلى الجنة وقوم يمضى بهم إلى النار قال فاتيت إلى الجنة فناديت يا أهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنان في محل الرضوان فقالوا لي بطاعة الرحمن ومخالفة الشيطان ثم أتيت إلى باب النار فناديت يا أهل النار بماذا نلتم النار قالوا بطاعة الشيطان ومخالفة الرحمن قال فنظرت فإذا بقوم موقوفون بين الجنة والنار فقلت ما بالكم موقوفون بين الجنة والنار فقالوا لنا ذنوب جلت وحسنات قلت فالسيئات منعتنا من دخول الجنة والحسنات منعتنا من دخول النار وانشدوا نحن قوم لنا ذنوب كبار * منعتنا من الوصول اليه تركتنا مذبذبين حيارى * أمسكتنا عن القدوم عليه هذا ما تيسر لي جمعه من الأقوال واللّه تعالى اعلم بحقيقة الحال والإشارة ان بين أهل النار وأهل الجنة حجابا وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب وبين أهل الجنة وأهل اللّه وهم أصحاب الأعراف حجابا وهو من الأوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة الروحانية فلا يرى أهل الجنة أهل اللّه من وراء ذلك الحجاب كما قال اللّه تعالى وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ يعنى أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة والنار بما يتوسمون في سيماهم من آثار نور القلب وظلمته وسميت الأعراف اعرافا لأنها مواطن أهل المعرفة وانما سمى اللّه أهل المعرفة رجالا لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى اللّه تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شئ منه كقوله رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وحيث ما ذكر اللّه الخواص ذكرهم برجال كقوله رِجالٌ صَدَقُوا وكقوله فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا لان وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة فان أصحاب الأعراف بعلو هممهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين حتى عبروا عن المكونات وأقاموا على الأعراف